ابن حجر العسقلاني

37

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

كذبهم بعد افتضاح أمرهم وكشف عوارهم . رابعاً - بيان أحوال الرواة : كان لا بد للصحابة والتابعين ومن بعدهم من معرفة الرواة معرفة تمكنهم من الحكم بصدقهم أو كذبهم فدرسوا حياتهم وتواريخهم وأحوالهم . يقول ابن عدي في " كامله " : قال الثوري : لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ . كانوا يبينون أحوالهم وينقدونهم حسبة للَّه ، لا تأخذهم خشية ، ولا توجههم عاطفة فلا يحابون أباً ولا أخاً ، ولا ولداً فهذا ابن أنيسة يقول : لا تأخذوا عن أخي ، وهذا علي بن المديني يقول عن أبيه : سلوا عنه غيري . بل إنهم كانوا يعينون أياماً للناس يحدثونهم فيها عن الكذابين . قال أبو زيد الأنصاري النحوي : " أتينا شعبة يوم مطر فطلب الحديث فقال : ليس هذا يوم الحديث ، واليوم يوم غيبة ، تعالوا نغتاب الكذابين " 1 . قلت : وحاشاه - رضي الله عنه - أن يكون مغتاباً إذ لا غيبة لفاسق 2 وأفسق الفساق الكذابون . سئل صلى الله عليه وسلم : أيكذب المؤمن ؟ قال : لا ، ثم تلا قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } [ النحل : 116 ] . وهكذا تكون علم الجرح والتعديل الذي وضع أصوله كبار الصحابة والتابعين على ضوء الشريعة الغراء وسنّة خير الأنبياء فقد قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا . . . } [ الحجرات : 6 ] الآية . وقوله صلى الله عليه وسلم في الجرح : " بئس أخو العشيرة " وفي التعديل : " نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم الليل " . وقد بين هؤلاء من تقبل روايته ومن لا تقبل ، وتكلموا في العدالة وموجباتها ، وفي الجرح وأسبابه ، وقد نص الخليفة عمر على العدالة ووضع أول الأسس لذلك في كتاب له إلى أبي موسى الأشعري فقال : " والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرياً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد " . وقال الإمام مالك : لا يؤخذ العلم عن أربعة ، ويؤخذ ممن سوى ذلك : لا يؤمن من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه ، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث .

--> 1 وينبغي التنبيه على ضعف هذا الحدث . 2 " الكفاية " 45 ، وانظر السنّة قبل التدوين : 233 مكتبة وهبة .